مقال للاستاذ الدكتور صباح علاوي تحت عنوان: ومضات قرآنية

ومضات قرآنية
✍?د.صباح السامرائي

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)

سألني من لا أضن عليه بجواب عن قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)

لِمَ قال: وكونوا (مع) الصادقين
ولم يقل: وكونوا (من) الصادقين

وهو الذي فسر به بعض المفسرين الآية بأن معنى مع هنا هو من

ولكن الفرق واضح وكبير بين (من) و(مع)
فالمعية لا تقتضي الاندماج
فقوله كونوا من الصادقين اي جزءً لا يتجزأ منهم فهم منكم وانتم منهم

في حين معنى مع هو المرافقة والمعية والمناصرة

السؤال:

لماذا لم يأمر الله تعالى في هذا الموضوع المؤمنين ان يكونوا جزءً من الصادقين؟؟

وهل فعلاً هذا المعنى تضمنته الآية؟

ابتداء لابدَّ من معرفة سياق الآية قبل الحكم على (مع)

الآية السابقة هي قوله تعالى:

((وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ))

فإذا نظرنا الى تسلسل السياق سنكتشف ضرورة مجيء (مع) وليس (من)
نرجع لأصل الحدث وهو معركة تبوك والتي كانت في مواجهة الروم
ولما علم المنافقون قوة جيش الروم وعددهم وعدتهم تخلّفوا عن اللحاق بالنبي وجيشه
وحين عاد من الغزوة جاؤوا فاعتذروا للنبي الكريم بأعذار مختلفة كاذبة وكانوا بضعا وثمانين رجلا فإذِنَ لهم وقبل أعذارهم
وأمّا الثلاثة المقصودون بالآية فهم
كعب بن مالك
وهلال بن أُمية
ومرارة بن الربيع
فقد جاؤوا فرادى ولكنهم صدقوا ولم يكذبوا فنفوا عن انفسهم اي عذر وطلبوا عفو الله وغفرانه

والقصة معروفة وسنفرد لها شيئاً بإذن الله

عوْداً الى الآية
كونوا مع الصادقين
هنا النداء للذين آمنوا عامة
فمن كان الصادقون المشار اليهم في هذه الحادثة؟؟
(هم الثلاثة الذين تخلفوا ولكن لم يكذبوا)

ومن مبدأ انّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لنا ان نقف عند قوله تعالى:
((يا أيها الذين آمنوا))
في هذه الحادثة وفي كل زمان وفي كل ظرف مشابه كونوا مع الصادقين وآزروهم وكونوا معهم ولا تكونوا ضدهم فالصادق يحمل صفة مهمة من صفاتكم صفات المؤمنين وهي الصدق فلا تكونوا عوناً للشيطان والظروف السيئة على اخوانكم اذا أخطؤوا ماداموا يمتلكون صفة الصدق والتنزه عن الكذب والتحايل

ولهذا عودة الى مناسبة الآية فالله تعالى طلب من المؤمنين ان يكونوا مع الثلاثة الذين لم يكذبوا ولا يكونوا ضدهم اعتباراً من وقت نزول الآية
وهذا يعني بالضرورة ان لا يكونوا مع المنافقين الذين اصطنعوا الاكاذيب تبريرا لتخلفهم

ونحن ايضا فلنكن مع الصادقين الذين تمر بهم ظروف صعبة تجبرهم على سلوك خطأ معين فلا نحكم عليهم بأشنع الأحكام بل علينا أن نعينهم ليعودوا الى جادة الصواب ونكون ((معهم)) ضد خطئهم لا ((منهم)) في خطئهم
اي لا نسعى ان نكون صادقين ونقع في الأخطاء وانما مع الصادقين الذين أوقعتهم الظروف في خطأ ما

موضوعات ذات صلة