رئيس جامعة سامراء الأستاذ الدكتور (صباح علاوي خلف)… يكتب مقالًا عن حاجة الناس عند أهل المسؤولية

صاحب المسؤولية وحاجات الناس
ليس من السهل أن تكون صاحب مسؤولية مخلصًا في هذا الزمان، فمن يظن أن المقام مجرد لقب أو منصب، لا يعرف ثقل الأعباء التي يحملها العقل قبل الجسد، ولا التي تلتف حول الروح مثلما تلتف الغيوم الداكنة قبل العاصفة.
وصاحب المسؤولية دائم الانشغال، تتلاحق عليه الأمور كما تتلاحق الأمواج على صخور الشاطئ. كل ورقة، كل قرار، كل اتصال، وكل طلب يطرق باب حياته يحمل وزنه الخاص، وكلها تتكدس فوق كتفه، فلا يجد ساعة للراحة إلا ما بين لحظة وأخرى قصيرة.
فحين يأتيه أحدهم بطلب، يعيش صاحب الطلب لحظته كما لو كانت كل الوجود… قلبه مشدود إلى ذلك الطلب، وعقله لا يلتفت إلا إليه، فهو في ساعة حاجته لا يرى ما وراءها، ولا يُدرك أن خلف باب المسؤولية مئات الهموم الأخرى، ربما آلاف التفاصيل المتشابكة التي تنتظر قرارًا أو حلًّا.
أما المسؤول، في تلك اللحظة، يحمل على رأسه ما لا يُرى من العيون: ملفات، مشاكل، مواعيد، ومطالب متراكبة لا تنتهي. كل طلبٍ يأتِ إليه ليس منفصلًا عن غيره، بل هو جزء من شبكة هائلة من الواجبات، وكل تأخير في أمرٍ ما قد يكون لأجل الحفاظ على توازن الأمور جميعها.
الطالب يرى حاجته الأولى والأهم، والمسؤول يرى حاجات الجميع متراكبة، يسعى أن يزنها بالعدل والعقل، لا بالعاطفة وحدها.
الطالب يعيش لحظة الطلب، والمسؤول يعيش دقائق الحياة كلها في كل طلب؛ لذلك، لا يُقارن من يطلب بحاجته المحدودة بمن يحمل على عاتقه عبء ألوف المسؤوليات.
الإنصاف أن ندرك أن المسؤول ليس آلةً بلا قلب، وأن الانشغال لا يعني التجاهل، والرحمة أن نُقدّر حجم ما يعانيه، وأن نمهله الوقت لينجز ما بين يديه، فليست حاجتنا وحدها هي الأهم، بل كل الحاجات معًا.
وبين هذا وذاك هو صاحب عائلة وعواطف وام واب وواجبات اجتماعية وارتباطات لا تنتهي؛ فما هو عندك من واجبات اجتماعية اضعافها لديه لما يفرضه المكان الذي يشغله من تأدية واجبات ربما تكون عندك ثانوية
صاحب الحاجة يعيش حاجته…
وصاحب المسؤولية يعيش حاجات الجميع.
فلا تزنوه بميزانكم، ولا تحاسبوه على لحظتكم،
فما يبدو تقصيرًا أحيانًا، هو في الحقيقة سعيٌ بين مهام لا تنتهي، وسعيٌ نحو العدل بين ما يستعجل وما يجب أن يُؤجل.