ومضات قرآنية

✍?د.صباح السامرائي

الومضة الثانية في قوله تعالى:

((لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ))

هل يجازي الله تعالى المؤمنين بالقسط اي العدل ويجازي الكافرين والعاصين بغير ذلك؟
فلماذا خصَّ القسط هنا للذين آمنوا؟؟

لا بد من الإشارة أولاً الى أن عدل الله تعالى ليس كعدلنا فنحن مأمورون بالعدل والإحسان كما قال تعالى: (ان الله يأمر بالعدل والاحسان)
فنحن حين نعتمد على العدل في احكامنا سنكون متعسفين ولذلك أُمِرنا أن نمزجه بالاحسان
ومثال ذلك أنّك اذا أخطأت معي في ضررٍ معين سببته لي وجئت أريد القصاص فأنا قد اتعسف في أخذ القصاص ولا التفت الى عدم القصدية منك ولكن حينما أمزج ذلك بالاحسان سيستقيم الامر
فلو صدمتني بسيارتك وكسرت رجلي ليس من المنطق ان آخذ حقي بدهسك وكسر رجلك حتى لو كان ظاهر ذلك القصاص ولكن بمزيج من الاحسان سأعفو عن كثير من الضرر وهكذا تستقيم الحياة

أما عدل الله فهو متضمنٌ معنى الاحسان بدليل هذه الاية
ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط وذلك من جهات
١- من رحمة الله تعالى وكرمه انه سمى مجازاتنا بعملنا الصالح بجنته عدلا ولاشك ان الجنة لا يساويها شيء من عملنا ولن تكون المكافأة مساوية لعملنا فالله تعالى سلفا قضى بأن الحسنة بعشر امثالها ثم لم يقف الامر عند ذلك بل قال جل شأنه:
(مثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّاْئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰاسِعٌ عَلِيمٌ)
فالله تعالى هنا ضاعف الدرهم الذي نقدمه بسبعمائة وزاد على ذلك بقوله: والله يضاعف لمن يشاء
فإذن: عدل الله مغمور برحمة واحسان
وقد صرحت الآيات كثيراً بذلك فقال تعالى:
(وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
وقوله
(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

فالجزاء بأحسن عملهم وليس بأقله ولا بأوسطه

وحين ترد المقابلة ما ظاهرها المطابقة مثل قوله تعالى:
{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}
فالحسنى درجة لا يمكن مطابقتها بعملنا
بل زاد عليها بقوله:
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ)

٢- تسمية ذلك عدلاً زيادة في اكرامنا كي نشعر بقيمة ما قدمناه ونشكر الله على هداه

هذا من جهة القسط للذين آمنوا وعملوا الصالحات

واما من جهة الكافرين والعاصين فاجرامهم متنوع وورود اعمال العاصين في القرآن الكريم مختلف بحسب نوع العصيان والكفر فمنه ما يستحق العدل فتأتي الآيات بذلك كقوله تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (54) يونس
وربما العدل أهون عليهم لما قدمنا من وصف عدل الله تعالى فالظلم قد يخضع لترضية المظلوم والعفو عن الظالم في جزئية ما وهنا تأتي رحمة الله بمحاسبته بعدله المشتمل على سعة رحمته

في حين تجد اعمالاً أخرى ينص القرآن بنوع العقوبة لعظيم الجرم وليعلم المجرم عقوبته سلفاً في الدنيا
فتأتي مثل قوله تعالى:
(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
وقوله
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)

وبالعودة الى الآية موضوع الشاهد
(وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ)

ينساق مع عقوبة الكافرين الذين صرحوا بكفرهم وحربهم لله ورسوله
وهذا اعظم جريمة قد يقترفها انسان
لذا صرحت الآية بعقوبة جرمه
ولم يجعلها تحت بند العدل بالتساوي مع الذين آمنوا فعدل الله يشتمل على احسانه وعفوه وكرمه

والله تعالى أجلُّ وأعلم

موضوعات ذات صلة