|

جهود الجامعات بين محدودية الامكانات وتربص المتربصين

مقال للاستاذ الدكتور صباح علاوي السامرائي

يُشغل البعض موضوع التّصنيفات ودخول بعض الجامعات لهذا التّصنيف أو ذاك وتجدهم يتخبطون في هذا الموضوع، فإذا كانت جامعاتنا خارج تلك التصنيفات وجدتهم يحدّون أسنانهم للطعن والتّنكيل بها ويعدّون ذلك دليل فشل التعليم.
وإذا دخلت الجامعات في تلك التّصنيفات راحوا يهاجمون تلك التّصنيفات ويعدّون الدخول إليها مهزلة وأكذوبة، وتجدهم يتفننون في إلقاء التّهم بأنّ الدخول مزيف وأنه دخول وهمي أو أن الدخول بحد ذاته لاقيمة له.

هذا التناقض يدل على قصور في الفهم ونظرة تدفعها نوازع بعيدة عن الموضوعيّة ولعلّها تدل على شيزوفرينيا واضحة.
قلناها مرارًا وتكرارًا إنّ الدخول لهذا التّصنيف أو ذاك ليس غايةً وليس مبتغى يلهث إليه عاقل وإنّما هي مؤشراتٌ فقط تدل على توافر عدد من المواصفات والمستلزمات والنّشاطات التي أظهرت اسم الجامعة هنا أو هناك ولاسيما أنّ هذه التّصنيفات تعتمد معايير محددة للدخول والخروج.
فدخول جامعة ما مثلًا في تصنيف يهتم بالسّمعة الأكاديميّة فهذا يدل على وجود مؤشر لتحقيق نسبة معينة من هذه السّمعة، ولا يعني بحال أنّ الجامعة هذه قد حققت أهدافها الكبرى.

ثم إنّ محاولة التّقليل من جهود الباحثين مثلًا واتهام أبحاثهم بالسطحيّة أو إنكار قيمة براءات الاختراع، لو جاء لك من متخصصين اطلعوا على هذه البراءات وبعد دراستها فندوها بالطرق العلميّة الحيادية لرضينا منهم ذلك
لكن أن يأتي هذا الكلام من غير المختصين وبشكل سطحي من غير ان يطلعوا على سطر واحد من البحث فلا قيمة ولا وزن لهم ولا لاعتراضهم.

ثم إن مسألة الدندنة حول موضوع عدم تحول الأبحاث إلى الجوانب التطبيقيّة فهذا محض تحايل وتلاعب بعقول غير المختصين بالبحث العلمي في العالم وذلك للأسباب الآتية:
١- إن عدم نقل الأبحاث إلى الجانب التّطبيقي ليس سببه الباحثين وأنّما عوامل أخرى تتعلق بالتمويل وتفعيل دور المؤسسات الصناعيّة وغيرها فلا يصح أن نحمّل الباحث هذه القضيّة.
٢- إن الزّعم القائل إن أبحاث الباحثين في أمريكا وأوروبا كلها تجد طريقها للتطبيق فهذا محض هراء ولا صحة له مطلقًا، فنسبة الأبحاث التي تنتقل إلى الجوانب التطبيقيّة نسبة ضئيلة جدًا، فهناك أبحاث كثيرة للغاية تُركن على الرفوف في كل العالم، بل هناك بحوث غايتها الفضول العلمي وليس لنقلها بالضرورة إلى التطبيق.

إنّ المقارنة بين إمكانات الجامعات العالميّة وإمكانات جامعاتنا التي قد تجد بعضهم يسيل لعابه وهو يتمتع بالطّعن والتقليل والاستهزاء من إمكانات جامعاتنا ويتخذها دليلًا على عدم جدوى الأبحاث ويشكك بها فهذا مضحك ومثير للاشمئزاز.

ففي ظاهرة غريبة تُعدّ من أغرب ما يمكن الحديث به من قبل بعض الذين يفترض بهم أن يكونوا من ضمن إطار البحث العلمي وفي أجوائه ومداراته يستغل بعضهم وجوده في هذا الجو ويعمل بانحراف ظاهر عن عقلية الباحث العلمي.
يستنكر بعض الأفراد على باحثين يقومون بأبحاث وبراءات اختراع ويستهجنون إعلان المؤسسات لهذه الأعمال ويضعون ذلك في خانة ايهام المجتمع وهم يدركون تمام الإدراك أنّ البحث العلمي لا يتوقف عند حد وليس حكرًا على أحد.
نعم إن الإمكانات المتوافرة في جامعاتنا ومؤسساتنا البحثيّة ليست كما هي في دول العالم المتقدّمة وهذه بديهيّة لا يختلف عليها اثنان.
ولكن أن تكون هذه القضيّة مطيّة لنكوص الباحثين عن أداء بحوثهم واستمرار عطائهم وبذلهم فهذه دعوة حمقاء تنم عن فشل متبنيها.

ثم إن الفرق البحثيّة حين تعمل وتنجح في خطوة حتى لو كانت الخطوة الأولى في مسار الوصول للغاية فهي أفضل بمائة مرة من أستاذ فاشل يقضى حياته أما يتعالى على الخلق بشهادته أو عجز عن تقديم بحث واحد له قيمة.

حين يكون الحديث موضوعيًا فالفرق البحثيّة التي تعمل ليل نهار تريد إيصال صوتها أنها تعمل وتريد أن تقول لأصحاب القرار أننا نحتاج للدعم، وتعلنها صراحةً للمعنيين أن لدينا الاستعداد للتشارك البحثي مع الباحثين في العالم فافتحوا لنا أبواب ذلك.
وتقول للمجتمع: بأننا غير نائمين.
وتقول للباحثين الآخرين: استمروا في أحلك الظّروف.
وتقول للجميع: إنّ عجلة البحث لا تتوقف مهما قست الظّروف.

لذا فإن الدندنة دومًا عن عدم انتقال هذه البحوث إلى الجانب العملي والتّطبيقي ليس سببه الباحث الذي قضى وقته في مختبره؛ إنّما هي أمور أُخرى أكبر وأكثر عمقًا في إدارة دفة العمليّة التعليميّة والسياسة العامة في هذا المضمار.

إنّ عدم استعداد بعض المهتمين لقبول فكرة أن هناك باحثين يعملون ويقدّمون جهدهم وفق إمكاناتهم لا ينبع إلا عن رؤية قاصرة عند بعضهم.
نستثني من ذلك من لم يطّلع على الجهود بشكل موضوعي، ويضع الجميع في خانة الفشل التي عرفها عن بعض من لم يُفلحوا لا باختصاصاتهم ولا ربّما حتى في حياتهم الاجتماعيّة والعائليّة.


موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً